ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
31
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ويوشك إن تطاول عليها زمان أن تضمجل ، فقال له : وما ذاك ؟ فأخبره خبر ابنته ، فقال : هلم صحيفة ، ثم أملى عليه " الكلام لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى " ثم رسم له رسوما فنقلها النحويون في كتبهم . وقيل : " إن أبا الأسود دخل على زياد ابن أبيه بالبصرة فقال : إني أرى العرب قد خالطت العجم ، وتغيرت ألسنتها ، أفتأذن لي أن أصنع ما يقيمون به كلامهم ؟ فقال : لا ، فقام من عنده ، ودخل عليه رجل فقال : أيها الأمير ، مات أبانا ، وخلف بنون ، فقال زياد : مات أبانا وخلف بنون ! ! مه ، ردوا علي أبا الأسود . فردوه ، فقال له : اصنع ما كنت نهيتك عنه ، فوضع شيئا . ثم جاء بعده ميمون الاقران فزاد عليه ، ثم جاء بعده عنسبة بن معذان المهري ، فزاد عليه ثم جاء بعده عبد الله بن أبي إسحق الحضرمي ، وأبو عمرو بن العلاء فزادا عليه ، ثم جاء بعدهما الخليل بن أحمد الأزدي ، وتتابع الناس ، واختلف البصريون والكوفيون في بعض ذلك . فهذا ما بلغني من أمر النحو في أول وضعه ، وكذلك العلوم كلها : يوضع منها في مبادى أمرها شيء يسير ، ثم يزاد بالتدريج إلى أن يستكمل آخرا . فإن قيل : اما علم النحو فمسلم إليك أنه تجب معرفته ، لكن التصريف لا حاجة إليه ، لأن التصريف إنما هو معرفة أصل الكلمة وزيادتها وحذفها وإيدالها ، وهذا لا يضر جهله ، ولا تنفع معرفته ، ولنضرب لذلك مثالا كيف اتفق ، فنقول : إذا قال القائل : رأيت سرداحا « 1 » ، لا يلزمه أن يعرف الألف في هذه الكلمة زائدة هي أم أصليه ؛ لأن العرب لم تنطق بها إلا كذلك ، ولو قالت سردحا ، بغير ألف ، لما جاز لأحد أن يزيد الألف فيها من عنده فيقول سرداحا ، فعلم بهذا أنه إنما ينطق الألفاظ
--> ( 1 ) السرداح - بكسر السين المهملة وسكون الراء - الناقة الطويلة - والضخم من كل شيء ، والأسد القوى الشديد ، والألف التي قبل آخره مزيدة للإلحاق بقرطانس وللصرفيين فيها كلام طويل لا يسعنا أن تذكره في هذه العجالة ( انظر الجزء الأول من شرح شافية ابن الحاجب : ص 57 ) .